سعيد حوي

148

الأساس في التفسير

والبلادة ، فاستحقوا هذا العقاب الذي نزل بهم . وقتل النفس الذي أمروا به يحتمل معاني من جملتها وهو الأرجح أن يقتل من لم يعبد العجل من عبده وأن يستسلم الآخر ، أو أن يقتل كل منهم من لقيه من أهل وولد وغير ذلك . ولا شك أن تنفيذ هذا الأمر من بني إسرائيل منقبة لهم تظهر فيه حكمة الله في تفضيلهم على عالم زمانهم . وقد قال الله في الآية : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ أي : إن التوبة والقتل خير من الإصرار على المعصية عند الله . وفي هذه الآية دروس منها : أن الذنب لا يمر بلا عقوبة مهما كان فاعلوه إلا إذا شاء الله أن يعفو . وفي ذلك تذكير لليهود بأن يخففوا من دعاواهم مع الله وأمام خلقه . ومن الدروس في الآية أن المؤمن لا يبالي في ذات الله أن يقتل أهله أو قومه أو تقتل نفسه ، ومن الدروس في الآية درس للجاهلين بالله الذين يتصورون أن كل ما يجري من معصية لله في هذه الأرض ، لا يجوز معه لأهل الله أن يتحركوا إلا في حدود الكلمة ، وإذا فكروا في شئ آخر فكأنهم أخلوا بقوانين السماء والأرض ، إن هؤلاء جهلة بالله وجهلة بالإسلام . 6 - وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يأمرهم الله عزّ وجل في هذه الآيات أن يتذكروا مجموعة نعم : بعثهم بعد إماتتهم ، وتظليلهم بالغمام مع إنزال المن والسلوى ، ولكنه تذكير يرافقه تذكير آخر بظلمهم وتعنتهم : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً : أي عيانا ومعاينة فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ الصاعقة هاهنا : إما صوت سمعوه فصعقوا وماتوا وإما نار أحرقتهم . ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ البعث : هو الإحياء بعد الإماتة ، وأصل كلمة البعث في اللغة : الإثارة وفي قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ دليل على أن السياق لا زال يصب في موضوع التذكير بالنعم . والفارق بين سؤال موسى ربه أن يراه وسؤالهم الرؤية : أن موسى سأل الرؤية مع الإيمان شوقا لله ، وهؤلاء سألوا تعنتا وكفرا ، إذ علقوا الإيمان بموسى بعد ظهور معجزاته حتى يروا ربهم جهرة ، والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ، ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم ، وسؤالهم لم يكن سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد فعوقبوا على ذلك بالصعق والموت . فدل ذلك على عظم الجرم ، وما أكثر من يطلب